أبو نصر الفارابي

15

الجمع بين رأيي الحكيمين

لذة لنيل لذة أعظم ، سوى عفة مصدرها الشره ، وما خوض الخطر لاجتناب خطر آخر ، سوى شجاعة مصدرها الخوف . ليست الفضيلة هذه الحسبة النفعية التي تستبدل لذات بلذات واحزانا باحزان ومخاوف بمخاوف ، كما تستبدل قطعة من النقد بأخرى ، فان النقد الجيد الوحيد الذي يجب ان يستبدل بسائر الأشياء هو الحكمة ، بها نشتري كل شيء ونحصل على كل الفضائل ، اما الفضيلة الخالية من الحكمة ، والناشئة عن التوفيق بين الشهوات ، فهي فضيلة العبدة » ( فيدون ) . فالفضيلة إذا من جنس العقل والنفس ، ولا يسوغ ان نذكرها الّا بالإضافة اليهما ؛ والحياة الفاضلة لا تستمد قيمتها من لذتها أو منفعتها ، بل من هذه الإضافة . ويستحيل على من ينكر النفس والعقل ان يبلغ إلى معنى الفضيلة . وإذا ما حصلت هذه الفضائل الثلاث للنفس ، فخضعت الشهوانية للغضبية والغضبية للعقل ، تحقق في النفس النظام والتناسب . ويسمي أفلاطون حالة التناسب هذه بالعدالة ، باعتبار ان العدالة ، بوجه عام ، اعطاء كل شيء حقه . فليست العدالة عنده فضيلة خاصة ، ولكنها حال الصلاح والبر الناشئة عن اجتماع الحكمة والشجاعة والعفة . والعدالة الاجتماعية هي تحقيق مثل هذا النظام في علاقات الافراد . ان الرجل الصالح في نفسه صالح بالضرورة في معاملاته ، والعكس بالعكس . ان العدالة تستتبع الاحسان تاما شاملا ، فلا نحدها بأنها الاحسان إلى الأصدقاء والإساءة إلى الأعداء ، لان الإساءة إساءة إلى النفس أولا . فالذي يقابل الشر بالشر يفقد عدالته ، ويزيد الشرير شرا ، فتنتج هذه العدالة المزعزعة ضدها من الناحيتين ، وهذا خلف . استمع إلى سقراط يتحدى السوفسطائيين ويقلب آيتهم رأسا على عقب ، حيث يقول : « انا لا ابتغي ارتكاب الظلم ولا تحمله ، ولكن إذا وجب الاختيار فانا اختار الثاني » ويقول : « انا انكر ان يكون منتهى العار ان اصفع ظلما ، أو ان تقطع أعضائي ، أو ان اسلب مالي ، وادعي ان العار يلحق المعتدي ، وان الظلم أقبح وأخسر لصاحبه منه لضحيته » ( غورغياس ) . فالفضيلة علم ، والفاضل هو الحاصل على العلم بالخير ، يعرف ما يجب ان يفعل في كل حالة ، لان نظره شاخص دائما إلى الخير المطلق . السياسة السياسة عند أفلاطون العدالة في المدينة ، كما أن الفضيلة العدالة في الفرد . لذلك يفتتح القول في « الجمهورية » بمحاولة لتحديد معنى العدالة : 1 - إذا قيل إن العدالة هي ان نرد للغير ما يجب له ، يرد سقراط ( وهو بطل